أبيض وأسود


قد لا تعجب هذه المقالة عدد كبير من الاشخاص. وقد يبدأ البعض في اطلاق النعوت عليّ. ولكن عزيزي القارئ اذا لم تكن تتمتع بالانفتاح العقلي لتقبل أفكار الاخرين، وترى ان لا بد من جميع الاشخاص تبني افكارك والاقتناع بمعتقداتك؛ فهذه التدوينة غير مناسبة لك.
منذ فترة طويلة كنت اتسآئل لما لا يحمل الاخرين النظرة التي احملها لمختلف الاشياء. لا أتقبلها وبذات الوقت لا ارفضها. اضع احتمالا ان لابد من وجود حلقه ضائعة عندما اعرفها سأستطيع تحديد شعوري ومن ثم موقفي. وفي احيانا آخرى ارى ان بسبب كوني لم أعش هذا الوضع لا استطيع تبني وجهه نظر بخصوص الموضوع.

دوما وأبدا كنت في موقف وحيد في عدم انفعالي لبعض الامور واتخاذي البعض الاخر امرا واقعا. هذا الامر لم يكن فقط في محيط عائلتي بل امتد لعملي وصديقاتي اللاتي قليل منهن احتفظت بعلاقه قريبة منهن. وهن فقط من يستطعن فهم وجهة نظري في الامور وسبب عدم اتخاذي ذات الموقف معهن.
اليوم وبشكل خاطف وبسبب تعليق بسيط اكتشفت الامر. من خلال محادثة صغيرة مع استاذتي التي تعدت الخمسين عاما حول روايه اثارت الجدل Fifty Shades of Gary . (سأكتب يوما ما بإذن الله تدوينة عن هذه الروايه والاحداث الصادمة بها والسبب الذي حثني على اكمالها، ولكن الآن ليست هي ما اريد التركيز عليه )
كان حديثنا عن الرواية وكيف انني اقارب انهائها بينما استاذتي اكتفت بالفصل الاول وقررت انها لا تريد قرائتها. ما وجدته هي صادما اني أقرأها ببساطه واتقبل الافكار التي تحتويها. عللت ذلك بأني اجدها مثيرة للتفكير وتجعلني اتسآئل عبر العديد من الامور وأحب ان اصل الى تفسير الأبطال للاحداث دون أن اضع اسباب من نفسي. عارضتني بقولها ان السبب الذي يجعلني اكملها ليس ذلك، بل لاني شخص املك فكرا منفتحا لتقبل كل ما يعارض افكاري ومعتقداتي وان لم اوافق عليه ولكني لا أرفضه.
هذا الرأي شغل بالي بموضوعات كثيرة تناقشت بها مؤخرا، ام في الماضي البعيد. وجعلني اركز على السبب الذي جعل غالبيه الاشخاص لا ترى ما أراه. أحد مشاكلنا كسعوديين أننا نرى العالم أبيضا ام اسودا، لا مجال لباقي الالوان خلالها. وهذا الامر ينطبق على جميع اطوار حياتنا. لنضع مثلا لتصبح الصورة أوضح:
فتاة لا ترتدي الحجاب في الخارج. غالبا سيراها البعض انها تعكس صورة سيئة عن السعودية. والبعض الآخر سيقول أن هذه احد السلبيات التي جلبها الابتعاث للبلد. وآخرون سيتهمونها بالفسوق أو انها تقوم بذلك من خلف ظهر أهلها وربما محرمها غير متواجد معها في مقر البعثة. (سبق سمعت هذه الامور كلها عن احد الطالبات في استراليا، فصدقوني عندما اقول اني لم اختلق شيئا)
ما أراه ان هذه الفتاة احد نوعين: إما انها تعودت مع عائلتها على خلع الحجاب في الخارج وما تقوم به مجرد ما شبت وهي تقوم به. الامر الآخر انها ربما تخشى على نفسها وفي ذات الوقت لا تريد خسارة فرصه الابتعاث فقررت ان لا ترتدي الحجاب وتندمج مع المجتمع. لا اعلم هل هذه الفتاه ذات اخلاق ام لا. ولا اعلم لاي درجه من الالتزام هي. كل ما اعلمه انها فتاة سعودية مسلمه لا ترتدي الحجاب .. ولكن ما يقوم الناس بتفسيره يتعدى المعطيات امامهم بسبب نظرة الأسود والأبيض.
ما أود الوصول إليه ان هنالك فئة كبيرة في المجتمع ترى العالم إما أبيض او أسود. وهذا التصنيف يعتمد على اذا ما كنت تتبنى افكارهم أم لا. وهذا الشي ينعكس على كل شي سواء رغباتك في الأكل، اختيارك لاصحابك، طريقة ارتدائك لملابسك، درجة التزامك بدينك، رغباتك الجنسية، نوع الافلام التي تشاهدها، نوعية الكتب التي تقرأها…. والقائمة تطول.
باختصار هم يقيدون حريتك ويهدفون الى جعل البلد بجميع سكانها نسخ متطابقة من بعضها البعض. وبذكر النسخ المتطابقة يعيد ذلك الى ذهني فترة قريبة سابقة عندما اصدر المرور مواصفات والوان محدده للسيارات في السعودية!! وكأنهم يريدون جميع السيارات بلون موحد. فلم يعد كافيا أن النساء اجمع يرتدون العباءات السوداء والرجال الثياب البيضاء، بل أصبح لا بد أن يكون ما بداخل عقلك مشابهه لما بعقل من جوارك. ولا يسمح لك بتبني اي فكرة جديدة.
دعوني اتوقف عن السخط واللوم ولننظر لزاوية اخرى من الموضوع. إن اهم قوانين علم الاجتماع أن المجتمع يتصف بالاختلاف والتنوع.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) سورة الحجرات آية ١٣
لله سبحانه وتعالى حكمة في خلق العباد مختلفين، وهذا الامر ليس فقط في صفاتنا وأشكالنا بل في اخلاقنا ودرجه التزامنا بالدين. وكذلك ذلك يطرح التساؤل عن سبب وجود الكفار من ملحدين وبوذيين فالله قادر بلحظه على اخفائهم من هذه الأرض. فلما جعلهم موجودين؟ ورغم أنه تركهم امرنا بعدم الحكم عليهم بدخولهم النار .
قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) (النساء:48) وقال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) (النساء:116)
لا ألقي كلامي اعتباطا ولكن لما لا نعطي بعضنا مساحة من التعاطف والتقبل وتقديم العذر؟ سواء كان الاختلاف في الافكار او المعتقدات او حتى في الالتزام الديني؟
لما نسارع بتصنيف الناس من حولنا بناء على معتقداتنا وافكارنا؟
وأنت يا من تلقى بالصفات والنعوت على الاخرين قف مع نفسك للحظه وأسأل نفسك: هل هنالك من هو حولك ويراك بصورة سيئة لانك لست بنفس تفكيره؟
الواقع يقول ان هنالك على الاقل شخص من حولك يراك متخلف وذو تفكير قاصر. نظرا الى تفشي هذا الامر في المجتمع. وهنالك اعتقاد شائع أن الشخص ذو النظرة السيئة بالاشخاص غالبا يكون يدعي الصلاح فيما يخفي في حياته العديد من التصرفات السيئة وما ينعت به الاخرين وما يتوقع قيامهم به هو ما يقوم به فعليا في حياته. وإن لم يصارحك أحدا بذلك صدقني يا من تطلق الصفات فهذه المقولة عامه ومنتشرة في البلد ولكن لم يصارحوك بها ظنا منهم أنك تعرفها أو انهم لا يردون تبادل الحديث معك.
الآمر الذي آمل به:
  • ان نتقبل انفسنا ومن حولنا على ما هم عليه وليس على الصورة التي في عقلنا.
  • أن نختلق الاعذار لتصرفاتهم التي لا نفهمها.
  • أن نتقبل التفسيرات التي لا توافق هوانا.
  • أن نذكر أننا لا نعيش في عقل الشخص الآخر فلا نعلم ما يحدث هناك
  • أن نتوقف عن تصنيف الاشخاص بناء علي ما نعتقد .
  • والأهم انشغل بنفسك ودع عنك الاخرين وان كانوا مخطئين -من وجهه نظرك-

 

مصدر الصورة:
http://www.addcovers.com/covers/qg4xukqqdksu0t6.jpg
Advertisements

2 thoughts on “أبيض وأسود

  1. دع الخلق للخالق مقولة يجب أن يقكر بها الكثير قبل أن يسرحوا كثيراً في تحليل قصة فلان أو فلانة
    فالتحليل و اختلاق القصص شيء .. و النصح العلني أو التحاور مع الطرف المعني بكل احترام شيء مختلف تماما

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s